بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنت أتصفح كتابا أهدانيه زوجي من يومين وهو كتاب "من كل سورة فائدة"
للشيخ عبد المالك رمضاني رده الله إلى الحق ردا جميلا
فقرأت فائدة من السورة التي كنت بصدد قراءتها حينها وأعجبتني الفائدة جدا
فنقلت لكن منها ما تيسر لي نقله
نفعني الله وإياكن وجعلني وإياكن من عباد الله المقرّبين، آمين
سورة الإنسان
الفرق بين جزاء المقربين وجزاء أصحاب اليمين
قال الله تعالى: { إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) } (الإنسان 5-6)
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ( ١١/ ١٧٧-١٨٠ ) : "وعن ابن عباس رضي الله عنه وغيره من السلف قالوا: (يُمزج لأصحاب اليمين مزجا، ويشرب بها المقرّبون صِرفا)، وهو كما قالوا، فإنّه تعالى قال: { يَشْرَبُ بِهَا } ، ولم يقل: يشرب منها، لأنه ضمّن ذلك قوله: { يَشْرَبُ } يعني يَرْوَى بها، فإنّ الشّارب قد يشرب ولا يروى، فإذا قيل: (يشربون منها) لم يدل على الرِّيِّ، فإذا قيل: (يشربون بها) كان المعنى يروون بها، فالمقرّبون يروون بها، فلا يحتاجون معها إلى ما دونها، فلهذا يشربون منها صِرفا بخلاف أصحاب اليمين، فإنّها مُزجت لهم مزجا، وهو كما قال تعالى في سورة الإنسان: { كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) } ، فعباد الله هم المقرّبون المذكورون في تلك السّورة، وهذا لأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشّرّ، كما قل النبي صلى الله عليه وسلم: {من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتم فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه } رواه مسلم في صحيحه، وقال صلى الله عليه وسلم: { الرّاحمون يرحمهم الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء }، قال الترمذي: حديث صحيح، وفي الحديث الآخر الصحيح الذي في السنن: { يقول الله تعالى: أنا الرّحمن، خلقت الرّحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتتّه }، وقال: { ومن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله }، ومثل هذا كثير، وأولياء الله تعالى على نوعين: مقرّبون، وأصحاب يمين كما تقدّم، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عمل القسمين في حديث الأولياء، فقال: { يقول الله تعالى: من عادى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عيه، ولا يزال عبدي يتقرّب إلىّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها } (1)، فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقرّبون إليه بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرّم الله عليهم نوولا يكلّفون أنفسهم بالمندوبات ولا الكفّ عن فضول المباحات، وأمّا السابقون المقرّبون فتقرّبوا إليه بالنوافل بعد الفرائضن ففعلوا الواجبات والمستحبّاتن وتركوا المحرمات والمكروهات، فمّا تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبّهم الرّبّ حبّا تامّا، كما قال تعالى: { ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه } يعني الحب المطلق، كقوله تعالى: { اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (٧) } أي أنعم عليهم الإنعام المطلق التّامّ المذكور في قوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) } ، فهؤلاء المقرّبون صارت المباحات في حقّهم طاعات يتقرّبون بها إلى الله عزّ وجلّ، فكانت أعمالهم كلها عبادات لله، فشربوا صرفا كما عملوا له صِرفا، والمقتصدون كان في أعمالهم ما فعلوه لنفوسهم، فلا يعاقبون عليه ولا يثابون عليه، فلم يشربوا صرفا بل مُزِج لهم من شراب المقرّبين بحسب ما مزجوه في الدنيا" .
_____________________________
(1) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) عن ابي هريرة، وهو بهذا اللّفظ عند البيهقي (٣٤٦/٣) .
]]>